اسليدرالأدب و الأدباء

مات لم يمت (قصة قصيرة)

اعداد : عادل شلبى
بقلم : عامر أبو زيد عامر

ماحدث أمر خطير وجلل وليس بوسع عقلك ان يستوعبه لكنك متيقن الآن بان الرجل دفن وهذا يعني انه مات مات وانتهى أمره .

غير ان الهواجس لم تزل تحاصرك وأنت تسير بخطى مسرعة وسط الجموع المسرعة هي أيضا والعائدة للتو من دفن (الرئيس )–

تلاحظ في وجوههم الذعر الذي هو في وجهك أيضا هم غير مصدقين وليس بإمكانهم بعد استيعاب الحدث على انه حدث

تزداد هرولتهم كلما ابتعدوا عن المقبرة  ولايتوقفون على الالتفات للخلف حيث اقبروه تتملكهم نفس الهواجس التي تتملكك بأنه سيقوم سينهض وينفض عنه التراب وسيلحق بكم وسيمسك بتلابيبكم واحدا واحدا وسينتقم ممن كرهوه وممن أحبوه ولم يموتوا من اجله وحتى ممن ناصروه ولم يفلحوا سينتقم من الجميع

حالة الرعب الشديد الصامت واضحة على الوجوه المغبرة التي لم تتوقف بعد عن الالتفات نحو الخلف .

لسانك يلتصق بجوف فمك الجاف وانفك اخذ كفايته من الغبار وأنت لم تزل تجهد جسدك كي لا يخرج عن الكرة الكبيرة من الناس التي تتدحرج نازلة من المقبرة إلى قاع المدينة .

الان فقط يتملكك شعور اخر ورغبة طارئة بان تنفصل عن هذه الجموع التي تخنقك بصخبها وازدحامها وتدافعها المحموم الى المجهول

وان تنزوي وحيدا بعيدا في اقصى المدينة تبلل ريقك الجاف وتقعد ساعة أوساعتين أوأياما أوحتى أشهر تحلل وتدرس ماحدث وماعسى ان يحدث لاحقا علك تقدر ان تقنع نفسك حتى بان ماحدث فعلا قد حدث .

رغم كل شطحات تفكيرك لم تزل منساقا في موجة الجمع السائر نحو المدينة والوقت كأنه توقف أوتمدد وتمطى بشكل كبير

كأنه استغرق دهرا مسيركم ذاك في الشارع المترب المغبر ذاته تضرب الأقدام الأرض فيتصاعد الغبار للسراويل فالجلابيب إلى الأنوف فيتخلل شعور الناس المتعسلة بالعرق ثم يصعد فوق الكتلة المتحركة نحو الفضاء .

الرقاب لم تزل تلتفت الى الخلف بين الفينة والأخرى حتى انعطاف الشارع حيث لم تعد المقبرة ترى وقبل الانعطاف التفت التفاتة أخيرة تأكدت من خلالها ان الميت لم يعد قادرا على اللحاق بكم .

برزت لديك فكرة أخرى ضلت تضغط على راسك بشده متضامنة مع ضغط الأكتف المجاورة لك والأجساد المتزاحمة المتدفقة كانت الفكرة تصرخ في داخلك :

وماذا بعد؟ ماذا سيحدث بعد الذي حدث ؟ من سيتولى أمر المدينة بعد موت الزعيم ؟

أسئلة كثير صارت تسيطر على ذهنك على سمعك على نفسك على بدنك لدرجة انك لم تعد قادرا على السيطرة على ساقيك التين تقودانك فوقعت سقط جسدك المتعب وسط الجموع التي لم تعد تشعر بشي وأيضا وسط ظلمة الليل التي بدأت لتوها تزحف.

ضلت الأقدام الثقيلة تتناوب وتتوالى في دهسك وهي مسرعة حتى جعلت منك في نهاية المطاف
شبه جثه ثيابك ممزقه والدماء تنطلق من كل جزء تقريبا من جسدك متلطخة بالتراب والعفونة

أجهدت نفسك في محاولة النهوض لم تتكسر رجلاك بعد أهملت شان الدم بعد أن اكتشفت أن ليس بوسعك ان تزيله من على جسدك الضعيف الواهن فضلا عن إيقاف اندفاعه

وقفت صرخت طلبا للنجدة لكن الشارع كان خاليا وكان أهله مضوا جميعا وسط كرة الجموع كان ينبغي عليك أن تجاهد رغم ألمك رغم ضغفك رغم جراحك رغم كل الدهس الذي أصاب جسدك ينبغي أن تنهض وان تلحق بهم لا نجاة لك اليوم إلا باللحاق بهم

لكنهم كانو مسرعين وانت بالكاد كنت قادرا على أن تصلب جسدك وتبدل خطاك لكنك ناضلت ناضلت وسط ظلمة الليل في شوارع المدينة الخالية .

من اجل اللحاق بهم سرت تجر بدنك المنهك جرا مشيت طول الليل وسط سكون رهيب يلف المدينة وكنت طوال الوقت تبحث عن لوح زجاج في المحال المقفلة لترى نزف وجهك وجسدك مددت يدك تتحسس راسك فأرعبك ماوجدت عليه من كدمات ودم وتراب.

أخيرا عثرت على سيارة مركونة عل جانب الشارع المظلم الطويل وعلى ضوء مصباح الشارع الخافت رحت تتأمل صورة وجهك على زجاج السياره.

الامر الذي جعلك تغرق في الرعب ..يا الهي ماهذا ؟ وجهي ليس وجهي ولا شعري ولا أنا أنا .. يا للهول .. يا للهول ..

صرت بعد الوقعة تلك شخصا آخر إنسانا آخر بشعا حد البشاعة مرعبا إلى أقصى حدود الرعب .

لم تزل في حالتك تلك حين أحسست يوقع خطى من خلفك التفت فرأيت إمام الجامع الذي تعرفه جيدا خارجا ليؤذن لصلاة الفجر .

Facebook Comments

admin

المشرف العام على موقع العالم الحر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d bloggers like this: