اسليدرزمن الفن الجميلمشاهير الفنمقالات واراء

عبدالحليم جزء من تكويني

بقلم : جيهان حكيم

وتمضي السنون ليأتي مارس كعادته محملاً بنسمات الربيع وعطر الياسمين ورحيق اسم حليم الذى لا يغيب ، وكيف لا وهو رحيق يبعث عطراً دائماً

وكعادتي .. حال مرور ذكري العندليب يروق لي أن أفتش بين زخم خواطري عن حرف مختبئ وراء نهر كى تورق السطور بلون أخضر ولكن يحاصرني في الزوايا صدى صوت الرفاق يسألون في فضول

نحن جميعاً مثلك نعشق فن العندليب ولكن هناك مطربين ومطربات آخرين لهم شأن ، فلماذا لا يتردد في خاطرك الكتابة عنهم ، وهل هناك ضرورة للتحزب لعبد الحليم علي هذا النحو

قلت :

في الحقيقة يختلف الأمر برمته عما يطوف به ظن أحدكم
لأن عبد الحليم بالنسبة لي ليس سفير لحبيب ولا لطريق معسول، ولا ترجمة لتجربة فاشلة كانت أوناجحة ، ببساطة عبد الحليم حافظ  جزء من تكوينى
فمنذ نشأتي الأولى كان صوته أبجدية لرومانسية يحيا فيها قلبى عمراً مديداً ،
وفي أوراق عمرى المتساقطة والباقية لطالما وجدته وحده يملك المفردة  للتعبير عن ترميم أحلامى المؤجلة

نعم أتحزب لعبد الحليم حافظ ..
فمنذ طفولتي يسكنني صوته ويتقاطر في أعماقي ببطء ، حتى أن أبتسامته المعهودة كانت تحيطني بهالة مضيئة من البهجة الوردية فتنهزم السموم من حولى
مازلت أذكر
عندما كانت تزحف أصابعي بالفطرة وتحرك أسطوانات الطرب الشامخة فى مكتبة أبى جاهدة للوصول إلي أسطواناته فى الرف الأعلى من المكتبة
على رغم إننى لم أكن أفهم كل ما يغرد به ، والأهم لم يوجهنى أحد لسماعه قط ولم يحكى لي أحد أبدا ًعن غيابه الأبدى ، وكأى طفلة كنت أظنه على قيد الحياة آنذاك

وفي المرحلة الإعدادية كان صوته يهدهد سنابل أحلامى ، ويفترش مساحة شاسعة من خيالي المختبئ وراء زهرة ياسمين ، يمطرها بدفء صوته فتنبت ويشرع لي أبواب الأمل والفرحة ، وبحكم سنى ، وثقافتي الضئيلة حينها أمتنعت عن سماع دونه وأمسيت مسكونة بعشق هذا الصوت حتى أننى لم أكن أتوقف عن المفاخرة بأننى من جمهوره

وفي المرحلة الثانوية كان صوته قد أصبح دم يسرى فى شرايين قلبي قبل سمعي ، يحملنى بأجنحته فوق سحابة  نشوانة طرب لفجر يبتسم ويضيء لي امنياتي

صوت عبد الحليم كان مظلة في شتاء ماطر ونسيم فى حر خانق ، هذا الصوت الذى يسكننى كان يقتسم معي وسادة الخيال الذى عنى يوماً ما غاب ، كان يشاطرني الأحلام ويقاسمنى الأنكسار ليلاً طويلاً

وأختلف الأمر في الجامعة فصرت أكثر نضجاً ، وبت قادرة علي تذوق الطرب الذى يُوصف بأنه رفيع ، فكان الفضل لحنان نبرته وصدق حنجرته التى تربي عليها سمعي ، تلك الحنجرة السحرية التي خاطبت روحي وإحساسى وحافظت على مشاعرى البكر

هذا الصوت كان ينثر عني ذرات من الوجع ، و يفترش الأفق بألوان قوس قزح  كى  أشتهي من جديد حلماً جميلاً

عبد الحليم .. هو من علمني كيف أحاور النجم المعلق على خد القمر
عبد الحليم .. جعل اسمى قصيدة وقلبي قافية لا يملك زمامها نبض عابث ولا صعلوك شارد

عبد الحليم .. هذب عواطفي ولم يجعلها تسرج على ستائر الليل بهمسات  اللهو لهذا أو ذاك

عبد الحليم .. كان رفيق طريق الرحيل من المراهقة الطبيعية الذى لملم
بقايا خيباتها ، وما يليها من عبور سهول وجبال حين خاضت غمار التحدي

عبد الحليم .. كان الضوء الذى مهد لي جسور التسلق إلي فلسفة أم كلثوم وجميل صوت شادية ونجاة وغيرهم كثيرمن جيل لم أعاصره ولم أنصت له الا بأذنه ، ولكنه ظل منفرد بأولوية وجوده حاضناً لروح الطفولة والصبا والشباب داخلي

وحين جاء موعد الترحال من وطن الصبا ، وأنتقل العمر ينسل  كقطرات ماء ، ظل صوته يحفر وجوده من حولى وأمامى وخلفى ، وأحتضن ما حوت الأيام والليالي حتى أصبح صوته عنوانى وجواز سفرى للهجران إلي أى ميناء من الأطلال
لذا .. يحق لى أن أتحزب لعبد الحليم 

فبعد مرور أربعة عقود كاملة على رحيله مازال صوته يطغي علي مساحات واقعنا المفعم بالأحداث والتحولات التي لا تنتهي ، بل لم يظهر صوت غنائى ينافس رسوخ وخلود نجومية عبد الحليم حافظ لدى الجماهير حتى وقتنا الحالى

وسيظل عبد الحليم صوت متنقل بين الماضي والحاضر والمستقبل  يحاكي الأرض والجغرافيا والواقع بكل طيوره وأحلامه وربيعه وسلامه وأنتصاره وفشله

 

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d bloggers like this: