اسليدرالأدب و الأدباء

دماء الوهم

بقلم : منال الأخرس

خرجت من قوقعة الوهم التى مكثت بها طويلا . نظرت برفق من فتحتها التى عثرت عليها أخيرا. ليهاجمها وهج الشمس إلا أنها تحملته ، نجحت فى الخروج من حصاره المؤلم ..

فالقوقعة التى سكنت بها كانت مكانها المختار والمفضل ، إلا أنها فطنت أن ما قطنت به فى عهدها السالف ما هو إلا سجن أحكمت غلقه بمحض إرادتها ،كلما حاولت الإفلات منه تصدت لها جمرات الشمس الساطعة، فوقعت أسيرة الخوف والجبن اللذان تكشف لها أمرهما، وأنهما ما هما إلا وهما أسكنته في مملكتها الحصينة بحض إرادتها ..

غزتها سهام الشمس فأراقت دماء الوهم التى تغذت عليها طيلة حياتها ..

نجت من جدران القوقعة ولم تنج من دماها السارية فى أوردتها وشرايينها ولرفضها الشديد للأمر الواقع أخذت تصول وتجول حتى تحرق أكبر كمية دماء باقية فى عروقها ،

لمحت من بعيد سيارة إسعاف ولدى اقترابها توجه إليها أحدهم يطلب منها أن تتبرع بالدم من أجل إنقاذ مرضى فى انتظار نقطة دم –كانت أنانية –لم تتردد وصعدت السيارة فورا فهى لا تريد تلك الدماء التى تجرى جسدها.

فلتتخلص منها بهذه الطريقة ولتجدد محتواها ..

لم تبال أن تصاب بهبوط أو حتى أن تفقد حياتها ولم تلتفت لما أشيع حول الإبر الملوثة كل هذا لا يهم المهم أن تتخلص من أكبر قدر من دمها لتتمكن من الحصول على دم جديد فى أقصر وقت ممكن ..

أجلسها الطبيب على كرسى خاص بالمتبرعين ،أخذ منها عينة لاختبارها والتأكد من خلوها من الأنيميا ،قام بطرح بعض الأسئلة الروتينية عليها ،كانت الإجابة لصالح الطرفين ،كان أفراد بنك الدم فخورين وفرحين بعثورهم على وليمة لا تتكرر كثيرا ،

فهناك عزوف من الناس إزاء التبرع بالدم ليقينهم أن الشعب أصبح بلا دماء-جفت دماه- استرخت فى هدوء وسلمت إليهم وريدها باستسلام تام ،تمنت أن يصفو كل ما بها من دماء .

كانت كمن يقدم على الانتحار بمحض إرادته وبكل طاقته بل وبمنتهى السعادة فالانتحار له لذة ذاقتها فى ذلك اليوم الذى لن يتكرر أبدا ،كامل جسدها كان يترجرج بشكل يلفت الانتباه ،

كانت حريصة ألا تنظر للكيس الذى يعبأ بدماها ،أخذت تستعرض مشاهد كثيرة فى حياتها الماضية ربما تخلصت من آثارها عندما تتمكن من تجديد دماها كما ترغب فى أقصر وقت ممكن .

كانت تتعجل ذلك وهذا ما جعلها تلقى نظرة على الكيس المعلق أقصى يمينها لتجده فارغا تقريبا ،نظرت ناحية الطبيب فقال لها : إن الدم ثقيل نوعا ما ،منحها قدرا من العصير ،تناولته .

كانت لهجة الطبيب عادية يبدو أن ذلك شيئا عاديا .. بعد نصف ساعة امتلأ الكيس وانهال عليها فيضا من الشكر والامتنان لما قامت به من تضحية من أجل إنقاذ من ينتظرهم الموت فى غرف الإنعاش ،منحوها هدية رمزية ووضعوا اسمها فى كشف هام يسمح لها بالحصول على الدماء وقت تحتاج إليه .

خرجت وبيدها هديتها ،أحست بشيء من الدوار الخفيف ، شعرت أنها ريشة يحتفى بها الهواء حقا كانت سعيدة وتريد أن تجدد دماها .

عانت تكرارا من دقات القلب المتسارعة والأنيميا الشديدة ،زارت الطبيب برفقة والدتها ، لم تخبر الطبيب بأمر تبرعها بالدم ،نصحها بمزيد من الراحة ،وصف لها بعض الأدوية ،طلب منها بعض الفحوص الإكلينيكية على القلب .

خرجت متجاهلة نصائحه عازمة على تنفيذ ما عزمت عليه .

الموت كان يقترب منها كل يوم ولم تبال ،يكفى أنها تسير تحت الشمس المذهلة .

ويكفى أنها تشعر بالوهم يخرج من دماها شيئا فشيئا ؛فانتظارها للحياة الجديدة منحها الشعور بالأمل الذى يساوى الكثير بل هو الإنسان ،حتى وإن انتقلت لحياة بلا دماء ثمنا لما تريد…

Facebook Comments

admin

المشرف العام على موقع العالم الحر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d bloggers like this: