اخبار عربية وعالمية

أول سيدة في الجيش المصري

كتب – إبراهيم خليل إبراهيم
ابتسامات محمد عبد الله عشقت الوطنية منذ الطفولة لأن الأسرة تضم من يعمل بالشرطة ومن يعمل بالجيش ، لذا كانت تتمنى العمل في الجيش وبالفعل تحققت أمنيتها بل وتعد أول سيدة تلتحق بالجيش المصري.
ابتسامات من مواليد عام 1927 بمحافظة بنى سويف ، ووالدها محمد عبد الله وحصل على لقب البكوية من القصر الملكي وكان يعمل كضابط مفتش غفر بمديرية أسيوط برتبة بكباشي التي تعادل مقدم الآن وهو مصري من ريف مركز ميت غمر التابع لمحافظة الدقهلية ، وأمها فاطمة فضل ابنة لسلطان إقليم الواو في السودان .
أشقاء ابتسامات : المعتصم بالله والمتوكل بالله والمؤتمن بالله والأمين بالله والمأمون وسوسنة وتنهدات .
حضرت الأسرة إلى القاهرة وسكنت في منزل بشارع إسماعيل باشا أبو جبل بحى عابدين بالقاهرة وتم توثيق جنسية فاطمة فضل من سودانية إلى مصرية وشهد إسماعيل باشا أبو جبل ( الذى كان الشارع يحمل اسمه ) أن فاطمة ابنة السلطان فضل نور هى زوجة محمد بك عبد الله أمام الجهات الحكومية ووقع على هذه الشهادة كشهود إسماعيل باشا وشيخ الحارة وجرجس أفندي الموظف الكبير وجار الأسرة.
تعلمت ابتسامات في المدارس الابتدائية الفرنسية وإن لم تكمل تعليمها الجامعي وفى يوم من أيام عام 1947 كانت ابتسامات تقرأ جريدة الأهرام وإذ بها تطالع إعلانا يطلب التطوع في الهلال الأحمر ونظرا لعشقها للتمريض تقدمت بأوراقها إلى الهلال الأحمر وكان عمرها 23 سنة وتم قبولها ودرست لمدة عام كامل دراسة عملية وتحريرية وبعد أن انتهت من الدراسة قرأت أيضا إعلانا عن طلب 75 متطوعة للقوات المسلحة بالقسم الطبي فذهبت إلى شقيقها الأمين تستأذنه.
تقدمت بأوراقها وتم قبولها وجاء موعد المقابلة الشخصية للاختبار فى مستشفى كوبرى القبة العسكري وكان يديره وقتئذ اللواء سعيد شعير واختبرتها ناهد رشاد زوجة يوسف رشاد الوصيفة الأولى للملكة ورئيسة المتطوعات وكانت برتبة صاغ ( رائد ) ، بعد اختبارات شاقة تم اختيار 7 فقط من بين 75 وكانت ابتسامات الفتاة الأولى عليهن وحصلت على رتبة ملازم.
تعلمت ابتسامات محمد عبد الله المبادئ العسكرية لمدة 45 يوماً وتم توزيعها مع زميلاتها على المستشفيات العسكرية في حلمية الزيتون وكوبرى القبة والعجوزة وبعد أسبوع من التوزيع بدأت حرب 1948 واشتدت فى فلسطين فقالت ناهد رشاد : يا بنات من ترغب منكن في مرافقتى ضمن فريق المستشفى الميدانى الذاهب إلى غزة لأن الحرب اشتدت والإصابات كثيرة .. ترفع يدها فرفعت ابتسامات يدها مع مجموعة من زميلاتها وكانت الرابعة فحزنت لأنها كانت تريد أن تكون الأولى .
طلبت ناهد رشاد موافقة الأسرة .. وذهبت ابتسامات إلى المنزل وبدأت فى إقناع الأسرة وتدخل اللواء محمد نجيب فوافقت وأقلعت الطائرة من مطار ألماظة الجوي وبعد حوالى ساعة من الطيران وصل فريق التمريض مستشفى العريش لانتظار القطار الذى سوف ينقل الممرضات إلى غزة.
جاء القطار في الموعد المحدد وكان مرسوما عليه الهلال الأحمر رمز الصحة ووصلت ابتسامات مع الممرضات إلى غزة وأقامت مع ناهد رشاد فى نفس الغرفة.
في مقابلتي مع الملازم أول ابتسامات محمد عبد الله قالت : رحلة العشرة أيام التي قضيناها بين الجرحي كانت عذابا ليس بعده عذاب فطوال النهار والليل نستمع إلى أنين الجرحي وكثيرا ما يستشهد بعضهم ويتم دفنهم إلى جوار المستشفى ولكني كنت أحضر لمرضاي جرامفون وأسطوانات للمطرب المحبوب جدا وقتها عبد العزيز محمود ونجحت بالفعل في التخفيف عن الجنود والضباط ولذلك كنت محبوبة بينهم وأكثر ما آلمني صرخة مجند جريح .. أنا عايز أرجع الميدان علشان آخذ حقي وحق بلدي .
أيضا قالت ابتسامات : في غزة لجأ جيش الصهاينة لحيلة غريبة جدا إذ حقنوا المجندات اليهوديات بفيروسات مثل الزهرى والسيلان وهذه الأمراض كان علاجها صعباً وكانت المجندات اليهوديات يقفن على مقربة من جبهتنا ويقمن بإغراء المجندين المصريين واليمنيين والفلسطينيين والقوات المشاركة فى حرب فلسطين وبعد أن تغرى اليهودية الشاب الذى يقف خدمة يقوم بتخطى الحواجز نحو الجبهة الأخرى فيعاشر المجندة المحقونة بالفيروس ويعود إلى معسكره مصابا بالمرض وليس فيروس أمراض الذكورة فقط بل فيروسات جلدية وصدرية كانت تنتشر بشدة فى معسكرات المجندين.
أضافت ابتسامات : كان من ضمن عملنا أيضا أثناء مأموريتنا بالجبهة المرور على الكتائب العسكرية لتضميد الجروح المتوسطة والصغيرة للضباط والجنود التى لا تستدعى نقل المصابين بها إلى المستشفى وكانت أجواء حرب غزة فى غاية الصعوبة،وكان الجنود على الرغم من قلة السلاح والخيانة إلا أن المقاتلين العرب الذين تطوعوا للحرب من جميع البلاد العربية لنصرة فلسطين كانوا فى منتهى الشراسة والبسالة.
أيضا كانت أحوال الجبهة العربية مقلقة وكل شيء يوحى بالهزيمة فالأسلحة رديئة والقوات محاصرة بالأوبئة والأمراض وكانت الأطعمة والمهمات تنفد ولا يأتى المدد إلا بعد معاناة فضلا عن الخيانة إذ كان يوميا يتم القبض على الأقل على 10 من الجواسيس لصالح إسرائيل ورغم كل ذلك حققنا انتصارات يوم 23 مايو عام 1948 إذ تمكن البطل أحمد عبد العزيز ومعه الفدائيون من السيطرة على منطقة عراق سويدان والجبهة الشرقية وأيضا الغربية وتمكنت قوات جيش الخلاص من قطع خطوط إمداد المؤن للجيش الإسرائيلي وقامت قوات جيش التحرير العربي بتكبيد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة فى منطقة الجبهة الإسرائيلية الوسطى وحتى منطقة أبو عجيلة والعوجة فارتفعت معنويات القوات المصرية والعربية إلى عنان السماء حتى أن بعض المصابين فى المستشفى لم ينتظروا حتى تنتهى فترة علاجهم وقاموا بحمل سلاحهم وتوجهوا إلى الجبهة ولكن فجأة صدر قرار الهدنة وكان بمثابة مؤامرة فى حد ذاتها حيث تمكنت القوات الإسرائيلية خلال شهر الهدنة من إعادة ترتيب صفوفها وتجهيز قواتها.
بعد صدور قرار الهدنة عادت ابتسامات مع زميلاتها إلى مصر وأصدرت الأميرة فوزية رئيسة الهلال الأحمر قراراً بعودة المتطوعات إلى القاهرة وتوزيعهن على المستشفيات العسكرية ونقل المصابين فى الميدان بالطائرات إلى القاهرة لتلقى العلاج وتسلمت ابتسامات عملها في مستشفى العجوزة العسكري وفجأة جاءها اللواء محمد نجيب كجريح في مستشفى العجوزة فداعبها بقوله : أنت بتعملي أيه هنا ؟
فردت الدعابة بمثلها : أنا مستنياك يا سيادة اللواء.
بعد أيام من العودة عام 1948 جاء شهر رمضان وتلقت ابتسامات دعوة على الإفطار من الملك فاروق وأهداها ساعة يد ذهبية ومنحها نوط الجدارة والامتياز المرصع بالذهب.
أيضا بعد عودة ابتسامات محمد عبد الله من غزة تمت دعوتها لحضور مباراة لكرة القدم بالاتحاد الرياضي للقوات المسلحة وتعرفت على محمد حبيب الذي ذهب بعد يومين شقيقها ضابط الشرطة الأمين عبد الله وأخبره برغبة في الزواج من ابتسامات ولكن رفض طلبه بحجة أنه شاب خام لكن ابتسامات تمسكت بالارتباط به.
ذهبت ابتسامات إلى اللواء محمد نجيب قائد حرس الحدود وقالت : أنكل محمد الحقنى .. لقد تقدم محمد عبد الله إلى شقيقي لأجل خطبتي ولكن شقيقي غير موافق فأرجو أن تتدخل وتسأل عنه.
سأل اللواء محمد نجيب عن العريس وعرف أنه شاب خام فاتصل بابتسامات وقال : الولد ده هايل وخام أكتر منك ثم اتصل هاتفيا بشقيقها وقال له : يا أمين وافق على العريس لأنه ضابط ملتزم وأخلاقه ممتازة.
تمت الموافقة وكان محمد نجيب وكيل ابتسامات وتم الزواج فى فيلا يوسف رشاد طبيب الملك الخاص وزوج ناهد وبعد 3 سنوات انتقلت ابتسامات مع زوجها للعيش في شقة مستقلة بهما .
ارتبطت ابتسامات وأسرتها بعلاقة قوية مع اللواء محمد نجيب لأن والدته سودانية ووالدة ابتسامات سودانية أيضا بالإضافة إلى أن والدتها وأخوتها وزوجها كانوا ضباطاً بالجيش معه وكان نجيب يحب دائما أن يأكل من يدها الأكل السوداني والجمبرى المخلي .
قبل اندلاع ثورة 23 يوليو عام 1952 ذهب اللواء محمد نجيب في ساعة متأخرة من الليل إلى منزل ابتسامات ومعه حقيبة وأعطاها إلى ابتسامات وطلب منها أن تخفيها لمدة يومين ولا تعلم أي إنسان بها أو زيارته.
امتلك الخوف قلب ابتسامات ولكن اللواء محمد نجيب قال : لا تخافى فليس بها فلوس لكنها أوراق خاصة بحرس الحدود وانتخابات نادى الضباط.
فى اليوم التالي عاد اللواء محمد نجيب إلى منزل ابتسامات وأخذ الحقيبة ثم قامت الثورة فى اليوم الثالث وهنا علمت ابتسامات أن الحقيبة كانت منه تضم الأوراق الخاصة باجتماعات مجلس قيادة الثورة وتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية.
بعد 3 شهور من اعتقال اللواء محمد نجيب تم السماح له بالخروج من محبسه برفقة الحرس وكانت ابتسامات من أول من زاره ودار بينها وبينه حديث طويل وقالت له : أنا حزينة لما حدث لك يا أنكل محمد.. فقال لأ ماتزعليش .. المهم إن البلد بقت أحسن والثورة نجحت وشباب مجلس قيادة الثورة فرحانين.
في أحد الجمعة كان زوج ابتسامات يصلي في الجامع الأزهر وفوجئ بصديقه الرئيس جمال عبد الناصر في الجامع بدون حراسة ولا مرافق فأبدى زعره من ذلك خاصة أن المسجد كان ممتلىء عن آخره ولذا أصر بحماية الرئيس وعندما علم المشير عبد الحكيم عامر بالأمر حضر مسرعا مع السادات في عربة جيب عسكرية ليكونا إلى جوار الرئيس جمال عبد الناصر ومما زاد من قلقهم أن اكتشفوا أن بعض المصلين يحملون أسلحة .
كتبت ابتسامات محمد عبد الله إلى المشير محمد حسين طنطاوى خطاباً تظلمت فيه من إهمالها وقالت خطابها : أنا أخت الأمين والمؤتمن اللذين كنت تلعب معهما بمنطقة البرمونى بعابدين مع الفنان فؤاد المهندس والفنان محمد رشدى وسردت له هذه الأيام ..
بعد وصول الخطاب للمشير طنطاوي أرسل إلى ابتسامات عقيدين لمعرفة مطالبها وكرمها .
يذكر أن البكباشى الأمين محمد عبد الله كرمه الملك فاروق بعد أن تمكن من القبض على قتلة المندوب السامى البريطانى قبل إعلان الحماية البريطانية على مصر ، وأن ابتسامات محمد عبد الله أول سيدة تشارك ميدانيا في الحروب العربية في عصرها الحديث ، وأول سيدة مصرية تحصل على رتبة ملازم أول وأول سيدة تحصل على نوط الجدارة والاستحقاق من الملك فاروق أخر ملوك مصر والذي منحها ساعته الذهبية تقديراً لدورها المشرف في تمريض مصابي حرب 1948م في المستشفى الميداني الذي أقيم خصيصا داخل أحد المنازل فى مدينة غزة لتضميد جراح جنود وضباط العمليات العسكرية والفدائية في هذه الحرب.

789

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: